عن المستقبل السياسي للفسبكة /ابوالعباس برهام

خميس, 08/03/2018 - 22:32

ابو العباس برهام : عن المستقبل السياسي للفسبكة
----------------------
ثمّة قناعة راسِخة لدى جمهورٍ واسِع النِّطاق في موريتانيا أنّه يمكِن إنقاذ البلاد من التردِّي القائم بها عندما يتمّ استبدال النخبة السيـ(ا)سية بنخبة أشرف. وهذا التجديد الثقافي، بالمصطَفِين الأخيار، هو عقيدة إسلامويّة قديمة: عقيدة "التمكين" و"الاستبدال". إلاّ أنّها قد عُلمِنت في السياسة الموريتانيّة. ومن أبرز تشكُّلاتِها الجديدة الاعتقاد أنّ جمهور فيسبوك من الشباب "الغيورين على الوطن" (مصطلح إسلامي-قومي) ومن الاندفاعيين يمكن أنْ يكون أساس هذا الإصلاح والاستبدال الجديد. والواقع أنّ الأحزاب السياسيّة بدأت ترمي بالدلاء في بئر فيسبوك لتأخُذُ منه وتُرشِّح. (وستَتَكَشّف في هذا الموضوع قصصٌ طريفة، فبعض المتفسبِكة، الذين أعلوا من شأنِ أنفُسِم بزعم الموضوعيّة، هم في الحقيقية عملاء جيمسبونديون منذ قديم الزّمان، وبالسِّرّْ، لأحزاب معيّنة. وإنّ لهم موعِدٌ لن يخلفوه عندما يظهر لاعبو الدُّمى من وراء المسرح وفي أيديهم الحبائل التي كانوا يُحرِّكوهم بها).

والواقِع أنّ فيسبوك قد غدا ديوان موريتانيا في السنوات الماضيّة. فقد أدّت "ديمقراطية" الجنرال عزيز إلى تدمير السياسة والإعلام. بالنسبة للسياسة أُخرِجت المعارضة من السياسة ومُنِعت من إيصال مناضِليها إلى المجال العام. أمّا الإعلام فقد أُغرِق بالصحافة الصفراء عندما تحوّل الإعلام إلى بطالة مقنّعة لأنصاف الخرِّيجين وأشباه الأميين. وهكذا أصبح فيسبوك المجال العام البديل وميدان الفعل العمومي عندما أخذ وظائف المعارضة والإعلام. وسرعان ما ظهرت قوّتُه السياسيّة عندما استطاع التعبئة والإزعاج وتشكيل الرأي العام. والواقِع أن الجنرال عزيز الممتعِض افتخر بلغة هتلريّة أنّ المعارضة لم تعد توجد إلاّ على فيسبوك، وبصوّر مستعارة للحيوانات.

عموماً، لا أتقاسم التفاؤل العام أنّ جمهور المتفسبِكة يمكن أن يكون مجتمعاً سياسياً بديلاً. فالمشار إليهم بالبنان في هذا الفضاء يفتقِرون للتكوين في النقد السياسي، ناهيك عن الممارسة السياسيّة إياها. وصحيحٌ أنّهم مزعجون بالهشتقة وبركوب الأوسام وبافتعال العنتريات. ولكنّهم، مع استثناءات مهمّة، غالباً ما يظهرون جاهلين بالمساءلات والمؤسّسات والتواريخ وأميين في فهم النظرية السياسيّة من مبدئها؛ وتبدو أسلحتُهم الفكريّة هي الحِكم اللقمانيّة والعشائرية والاعتقاد بنهاية التاريخ والأيديولوجيا والاتضاح البرنامجي والفكري وفضائل التسطيح. وباعتِقادي أنّهم لو تبلرموا فلن يكونوا أفضل من اللويا جرغا الحالي، وإنْ اختلفوا بالصوت، لا بالرائحة، كما في نكتة جحا.

في المقابل يبدو أنّ المشكلة مُشكِلة نُظميّة وسلطوية، فالأحزاب المُعارِضة المشارِكة، المُفترضِ بها أنْ تُكوِّن وتُدرِّجَ جمهوراً سياسياً محترِفاً، ها هي قاعدة في البرلمان بأداء في غاية التعاسة؛ وثمّة منتخبون فيها يتلقّون اجورَهم دون أن ينبسوا ببنت شفة. (وهذه مشكلة أخرى تتعلّق بتصادُم ثقافة الطاعة مع ثقافة الاحتراف والتدرّج والاستحقاق). وحاصِل القول إنّ التدمير الذي جرى على السياسة بمنع الأحزاب، بما فيها الحزب الحاكم، من التدرّج في المؤسّسات الدِّيمقراطيّة وممارستها، قد أنتج ثقافة سياسيّة أقرب للعشائريّة منها لعمل سياسي محترِف. وأنّ الانحطاط لفي استمرار.

ــــــ
ملاحظة: لا يؤمن كاتب هذه الأسطر بأنّ خلاص السياسة في "العقل التداولي" ولا أنّ السياسة مبنيّة على العقل الهابرماسي؛ بل هي مبنيّة على المصالح والتمايزات الطبقية والماديّة. ولكنّه يقول إنّ العلاقة الجدليّة ما بين الشكل والجوهر، التي تتأسّس فيها هذه "الديمقراطيّة الغنوصية"، باعتبارها نقيضاً لـ""الديمقراطيّة التداولية" (تعابير شانتال موف) مفقودة أصلاً في هذا السياق.